
أعتقد أن فخامة محمد ولد الشيخ الغزواني وحكومته يسعيان فعلًا إلى تحرير الصحافة، لكن الطريق يضل أحيانًا بين أسباب قديمة وأخرى حديثة. من هذه الأسباب غياب النموذج؛ إذ لم تعرف الساحة العربية تجربة مكتملة لتحرير الصحافة، بل إن الحاضر في أدبياتها ظل أقرب إلى القمع منه إلى الانفتاح. وما تحاول موريتانيا القيام به اليوم يظل_ في هذا السياق_خطوة جديدة في الفضاء العربي، خطوة سيعارضها بطبيعتها كل من تشكلت عقليته داخل ثقافتنا دون مساءلة أو نقد.
ومن خلال عملي في الصحافة، ومرافقتي لمؤسسات إعلامية أجنبية طيلة خمسة أعوام، أجد نفسي دائمًا أمام عوائق تعترض عمل الصحافة الأجنبية في موريتانيا، عوائق تُحرجني كمواطن قبل أي شيء. نحن لسنا دولة منغلقة ولا بلدًا منفّرًا؛ بل نملك قدرًا معتبرًا من التنوع، ونمتلك فرصًا استثمارية حقيقية يمكن البناء عليها، ولدينا أهم ميزة في محيطنا: السلم، في منطقة تعيش على وقع الاضطراب.
نحن، في كثير من الجوانب، أفضل من عدد من الدول العربية المحيطة بنا، وربما نظريًا أفضل من كثير من الدول الإفريقية. لكن لقاءً واحدًا فقط من أجل رخصة تصوير كفيل بأن يهدم هذا التصور، وأن يبدد ذلك الشعور. فما تزال بعض الإدارات أسيرة عقليات تصلح لزمن “المضارب”، لكنها لا تصلح لدولة حديثة.
ورأيي للحكومة الموقرة أن تعيد النظر جذريًا في هذا المسار: أن تُبسط أو تُلغي رخص التصوير بصيغتها الحالية، وأن تراجع نظام البطاقة الصحفية، وأن تعيد هيكلة الإعلام العمومي، من تلفزيون ووكالة أنباء، وأن تجعل الهابا هيئة للرقي بالصحافة، داعمة لها، فاتحة أمامها أبواب التكوين والتعاون مع المؤسسات الدولية. كما أرى أن ملف الإعلام ينبغي أن يكون تحت إشراف مؤسسة سياسية سيادية، كالرئاسة أو البرلمان، بما يضمن انسجام التعاطي معه داخل مختلف أجهزة الدولة.
الصحافة، في جوهرها، هي أداة تواصل داخل مجتمع حر: فضاء للنقاش، وتبادل للآراء المتضاربة، ومحاولة مستمرة لفهم الحقيقة من زوايا متعددة. أما الإعلام، فهو أوسع من ذلك، يشمل البث المباشر، ومنشورات فيسبوك، وتغريدات تويتر، وكل أشكال نقل الأخبار أو توجيهها لخدمة جهة ما.
وفي العالم العربي، يصعب الحديث عن صحافة بالمعنى الدقيق، لأن حرية التعبير نفسها محدودة. وعندما توضع قيود على هذه الحرية، يصبح الحديث عنها أقرب إلى المزاح. فإما حرية كاملة، أو غياب لها. وفي التعاطي مع الحقيقة، لا يمكن إسدال نصف الستار: إما كشف كامل، أو لا شيء.
ولسنا استثناءً من هذا السياق. لدينا صحافة جادة في أصلها، لكنها، تحت ضغط الرقابة الخارجية والرقابة الذاتية، تتحول تدريجيًا إلى إعلام: إعلام عن الضمير، عن المجتمع، عن الدولة، عن المعارضة… إعلام عمّا “يجب” أن يُقال، لا عمّا هو كائن. وهنا تبدأ نهاية الصحافة.
ورغم محاولات الدولة الموريتانية في السنوات الأخيرة للارتقاء بهذا القطاع، فإنها لم تتحرر بالكامل من عقلية القمع. فقد نشأ، بشكل غير معلن، تمييز بين صحافة “مقرّبة” وأخرى “مُبعدة”: من يمدح يُقرّب، ومن يختلف يُقصى، أحيانًا حتى من الوصول إلى المعلومة. وقد استغل هذا الواقع بعض الانتهازيين، من داخل البلاد وخارجها.
إن أي حديث عن حرية الصحافة يجب أن يُترجم إلى إجراءات ملموسة: تحييد رخص التصوير التقليدية، تسريع الاستجابة لأسئلة الصحفيين، إعادة تأهيل المستشارين الإعلاميين، وتأطير الإدارات على التعامل المهني مع الإعلام. وكل ذلك ممكن، ما دامت هناك إرادة حقيقية.









